جلاوزة القلم
جلاوزة القلم
جلاوزة القلم

جلاوزة القلم

 

     عادتاً لا أتصفح الصحف العربية العميلة لأنها " منظومة " تعبر رأي أنظمتها؛  وقعت بيدي بعض هذه الصحف التابعة لأنظمتها و بصورة سريعة لفت نظري لأحد المقالات بقوله " خاصية الحكومة الملكية أنها تضمن إستمرارية الدولة و استقرار الأمة " .

 

     من المؤسف حقاً أن نرى كتاب في مستوى " و عّاظ السلاطين " .  لقد آن الأوان لكي نحدث انقلاباً في أسلوب تفكيرنا. يجب علينا أن  نذهب بزمان السلاطين و  أن  نجعل محله زمان الشعوب في الألفية هذه ، فكفى نياماً و إلى متى .. و ليس بالجدي بنا و نحن في هذا القرن أن نفكر على ما كان يفكر به أسلافنا من " وعّاظ السلاطين".

 

     من أين أتيتم بالحكم الوراثي القهري إذا كان رسول الإنسانية (ص)  قد ترك الأمة تختار ( بزعم بعض الفرق الدينية )  و لم يوليها وراثية  فكيف إذن سمحتم لأنفسكم بالحكم المطلق بالحكم الوراثي .

 

     أسس معاوية بن أبي سفيان الملك الوراثي في الإسلام. كان السلطان المسلم يأتي إلى العرش عن طريق المرحوم أبيه!! فهو لا يعرف من أمور الدولة سوى أن يتمتع بميراث أبيه، و يداري الجلاوزة و الجلادين الذين يؤيدونه في تدعيم هذا الميراث.

 

     فإذا مات السلطان تهافت الجلاوزة على ورثته يبايعونه بالخلافة . فأمست البيعة تمثيلاً مسرحياً، يقوم الجلاوزة فيه بأدوارهم المفروضة عليهم، فأحدهم يبايع الخليفة على كتاب الله و سنة رسوله، و الثاني يرتل آيات من الذكر الحكيم ، و الثالث يرفع يديه نحو السماء داعياً أن ينصر الله الدين و الدولة، و الرابع يقرأ الفاتحة، و الخامس يقول : آمين!.

 

     على هذا المنوال جرى تاريخ الخلافة في الإسلام، فنهض إزاء ذلك ثوار متمردون حاربوا الدولة و حاربو الكهنوت الذي يعشعش في أوكارها. و أنقسم المسلمون بهذا إلى جبهتين : إحداها تدعو إلى المجد و الفتح، و أخرى تدعو إلى العدالة الإجتماعية. و كانت كل جبهة تدعو الله أن ينصرها على أعدائها.

 

     كان السلاطين، في عهودهم الغابرة، و إلى الآن ؛  يستخدمون نوعين من الجلاوزة: جلاوزة السيف و جلاوزة القلم، و هم كانوا يبذلون من الأموال في   رعاية جلاوزة القلم مثلما يبذلون في رعاية جلاوزة السيف، فهم يبنون الثكنات و القلاع و مرابط العسكر في نفس الوقت الذين يبنون فيه المدارس و المساجد و رباطات الدراويش.

 

       و الواقع أن الحاكم الظالم لا يستتب بقوة السيف وحدها، إنه يحتاج إلى القصائد و الفتاوى و الكتب و المواعظ كذلك، و السلطان الذي يعتمد على السيف وحده في تدعيم حكمه لا يستقيم أمره أمداً طويلاً.

 

     إننا يجب أن نفرّق بين الدين و الكهان’، لأن كل دين يصبح كهانة إذا أستأجره السلاطين و جعلوا أربابه وعاظاً لهم. 

 

     إن الثورة نزعة أصيلة من نزعات المجتمع المتمدن، لا يستطيع أن يتخلى عنها إلا إذا أراد أن يسير في طريق الفناء. فمنذ ظهر نظام الدولة ظهرت إزاءه نزعة الثورة.  و ظلت هذه النزعة العارمة تواصل ضرباتها جيلاً بعد جيل - لا تهدأ و لا تفتر.

 

     و الديمقراطية لم تنشأ في الأمم الحديثة من جراء أفكار صبيانية تحذلق بها الواعظون. إنما هي في الواقع نتيجة معارك طاحنة قامت بها الشعوب في وجوه حكامهم المستبدين. و الديمقراطية لم تفتر عن الثورة حتى يومنا هذا. فتاريخها عبارة عن سلسلة متلاحقة من الثورات لا نهاية لها.

 

     إن نظام التصويت الذي تقوم عليه الديمقراطية الحديثة ليس في معناه الاجتماعي إلا ثورة مقنعة. و الانتخاب هو في الواقع ثورة هادئة، حيث يذهب الناس اليوم إلى صناديق الانتخاب و هو معدوم في الدول العربية تماماً، كما كان أسلافهم يذهبون إلى ساحات الثورة، فيخلعون حكامهم و يستبدلون بها حكاماً آخرين.

 

     إن الحكومات الرشيدة في العصر الحديث هي تلك التي تقود الثورة الشعبية لا تقاومها. فمقاومة الثورة عبث إذ أن التأريخ يسير سيرته المحتومة رغم أنف المقاومين له .

 

    و الثورة المسلحة لا تحدث في أمة تلتزم طريق الديمقراطية الصحيحة، ذلك أن الحكومة الديمقراطية تنبعث من صميم الشعب فهي عبارة عن صورة ظاهرة لرغبة الشعب الباطنة إنها من الشعب و بالشعب و من أجل الشعب .

 

     إن من النادر أن نسمع بحدوث ثورة مسلحة في بلاد الديمقراطية الحقة و ليس معنى هذا أن أهالي تلك البلاد من طراز الخرفان الذين لا يشعرون، إنهم لا يثورون لأن في ميسورهم أن يجدوا للثورة طريقاً أخر هو طريق التصويت الهادئ الذي لا يتلاعب به الحكام الأدنياء ، فإن ثوار الأمم الديمقراطية يستخدمون أوراق التصويت بدلاً من رصاص البنادق.

 

     فهم يبدّلون حكامهم حيناً بعد أخر. فلا تحدث فتنة و لا تسيل دماء. و الحكومة التي لا تدرب رعاياها على إتباع طريق الثورة السليمة الهادئة، سوف تجابه من غير شك ثورة دموية عنيفة في يوم من الأيام…

 

     فهذا ما عرفنا أيها المتحذلقون فليس للوارثة في الحكومة الأولوية و ليس لتمجيد الشخصية أي بطولة لا عقلا و لا شرعاً.

 

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 07 يناير, 2009 07:31 ص , من قبل drmmrbakhsh
من المملكة العربية السعودية

هذه تحيّة من أخيك الدكتور ماجد المتخصص في الحركية والحرارية والطيفية والمغناطيسية والمبعد عن التدريس في جامعته بحجة أنه كذا وكذا وكذا وكذا فعن أي كذا منهم أدفع

لك مودتي الخاصة



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية